الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

158

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

فالعبادات المأتي بها هكذا لا محالة تؤثر في زيادة المثوبات ، أو رفع المكاره الدنيوية أو الأخروية عن العابد بفضله وكرمه تعالى . وأما الذي يعبده حبّا له أو شكرا له فإنما يعبد اللَّه وحده ، لا يريد بعبادته إلا أنه تعالى أهل لها ، ولا يعبده لما يرجع منها إلى نفسه ، فهذا العابد قد فنى عن نفسه وعن الخلق كلَّهم وليس يقصد إلا مولاه ، كما ورد التفسير لقوله تعالى : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات . . 35 : 32 ( 1 ) . ففي تفسير الصافي وغيره عن الصادق عليه السّلام أنه سئل عنها ؟ فقال : " الظالم يحوم حول نفسه ، والمقتصد يحوم حول قلبه ، والسابق يحوم حول ربّه عز وجل " . فظاهر الحديث أن السابق لا يحوم إلا حول ربّه ، قد تخلى عن النفس والقلب ، أي لا يعمل لهما بل لا يقصد إلا ربّه ، وهذا هو المقام السنّي الذي ليس فوقه مقام . قال الصادق عليه السّلام كما في تفسير الصافي وغيره عند قوله تعالى : واذكروا اللَّه كثيرا 62 : 10 قال عليه السّلام : " ما أنعم اللَّه على عبد أجلّ من أن لا يكون في قلبه مع اللَّه غيره " . إن هذه الطائفة لا مقصد لهم إلا مولاهم ، قد خلعوا عن النفس شؤونها ، فعبادة هؤلاء خالصة له تعالى ، ولم يكونوا كذلك إلا لأنهم أحبّوا مولاهم فقط ، فهم أحسن مصداق لقوله تعالى : والذين آمنوا أشدّ حبّا للَّه 2 : 165 فلا محبوب لهم سواه تعالى . وإلى هذه العبادة الخالصة أشار الصادق عليه السّلام بقوله : " ولكنّي أعبده حبّا له فتلك عبادة الكرام " أو قوله عليه السّلام في الحديث السابق عنه : " فتلك عبادة الأحرار " . أقول : الأحرار جمع حرّ وهو المتخلص نفسه من جميع القيود سوى قيد العبودية لربه تعالى ، فخرج عن قيد حبّ النفس وحبّ الآخرة فضلا عن حبّ الدنيا كما حقق في محله ، فهؤلاء لا يعمل في قلبهم شيء سوى محبة خالقهم . وأما الكرام : فهم المأمونون عن عذابه تعالى ، وعن أي عتاب منه تعالى ، فهم

--> ( 1 ) - فاطر : 32 . .